السيد عبد الأعلى السبزواري
8
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
والمتّصفون بالصفات الثلاثة ، فإنّ هذا القول خلاف ظاهر الآية الشريفة ، ولعلّ ذكرهم للإعلام باختلاف درجات المطيعين ، كما عرفت سابقا . والنبيّون هم أصحاب الوحي ، الّذين وصفهم اللّه تعالى في القرآن الكريم بأوصاف متعدّدة تدلّ على عظم شأنهم وجلالة قدرهم وعلوّ منزلتهم ، بل هم في أعلى عليّين ؛ لما لهم من النفس القدسية الّتي استمدت قدسيتها من القوّة الإلهيّة ، فهم قد رأوا الأشياء عيانا . وإنّما ذكر عزّ وجلّ النبيّين دون نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله - مع أنّ الكلام في بيان طاعة الرسول - للإعلام بأنّ طاعته متضمّنة لطاعتهم عليهم السّلام . قوله تعالى : وَالصِّدِّيقِينَ . وهم الطائفة الثانية . والصدّيقين جمع الصدّيق ، مبالغة في الصدق ، أي : الّذين طابق قولهم فعلهم ، وظاهرهم باطنهم ، فلا يصدر منهم إلّا الحقّ اعتقادا وقولا وفعلا ؛ لصفاء سريرتهم وعدم صدور الكذب عنهم وممارستهم الصدق ، فالهموا الصواب ، فميّزوا الحقّ عن الباطل والخير عن الشرّ ، فهم شهدوا الحقائق ، فكانوا صادقين بالحقّ ، فصاروا صدّيقين شهداء الحقائق والأعمال . وقد فسّر بعض العلماء الصدّيق بمن كثر صدقه ، أو من لا يتأتّى منه الكذب لتعوّده على الصدق ، ولكن ما ذكرناه أولى ، فإنّه قد يكون الفرد كذلك ، لكن لا يصل إلى درجة الصدّيق الّذي له مرتبة الشهادة على الأعمال والحقائق . والّذي تكون منزلته دون منزلة الأنبياء ورتبته دون مرتبتهم ، كما هو ظاهر الآية الشريفة . قوله تعالى : وَالشُّهَداءِ . وهم الطائفة الثالثة ، أي الّذين تولّاهم اللّه تعالى بالشهادة ، وجعلهم من المقرّبين ، فشهدوا الحقّ وأريقت دماؤهم في سبيله ، لنيل رضاءه وحبّه جلّت عظمته . وذكر بعض المفسّرين أنّ المراد بالشهداء هم شهداء الأعمال ، ولكن ذكرنا في